أحمد زكي صفوت
132
جمهرة خطب العرب في عصور العربية الزاهرة
ولا تأكل بثدييها « 1 » . لم يجر سالك القصد ، ولم يعم قاصد الحق . من شدّد نفر ، ومن تراخى تألّف . الشرف التغافل . أوفى القول أوجزه . أصوب الأمور ترك الفضول . التغرير مفتاح البؤس . التوانى والعجز ينتجان الهلكة . لكل شيء ضراوة « 2 » . أحوج الناس إلى الغنى من لا يصلحه إلا الغنى ، وهم الملوك . حبّ المدح رأس الضّياع . رضا الناس غاية لا تبلغ . لا تكره سخط من رضاه الجور معالجة العفاف مشقّة فتعوّذ بالصبر . اقصر لسانك على الخير وأخّر الغضب ، فإن القدرة من ورائك ، من قدر أزمع ، أمرّ أعمال المقتدرين الانتقام ، جاز بالحسنة ولا تكافئ بالسيئة ، أغنى الناس عن الحقد من عظم عن المجازاة . من حسد من دونه قلّ عذره ، من جعل لحسن الظن نصيبا روّح عن قلبه ، عىّ الصمت أحمد من عى المنطق ، الناس رجلان محترس ومحترس منه كثير النّصح يهجم على كثير الظّنّة « 3 » ، من ألحّ في المسألة أبرم « 4 » ، خير السخاء
--> ( 1 ) أي لا تعيش بسبب ثدييها وبما يغلان عليها من أجرة الإرضاع ، يضرب في صيانة الرجل نفسه عن خسيس المكاسب ، وذكروا أن أول من قاله الحارث بن سليل الأسدي ، وكان شيخا كبيرا وكان حليفا لعلقمة بن خصفة الطائي ، فزاره فنظر إلى ابنته الزباء ، وكانت من أجمل أهل دهرها فأعجب بها ، فقال له : أتيتك خاطبا ، وقد ينكح الخاطب ، ويدرك الطالب ، ويمنح الراغب ، فقال له علقمة : أنت كفء كريم يقبل منك الصفو ، ويؤخذ منك العفو ، فأقم ننظر في أمرك ؛ ثم انكفأ إلى أمها فقال إن الحارث بن سليل سيد قومه حسبا ومنصبا وبيتا ، وقد خطب إلينا الزباء ، فلا ينصرفن إلا بحاجته فقالت امرأته لابنتها : أي الرجال أحب إليك ؟ الكهل الجحجاح ( أي السيد ) ، الواصل المناح ، أم الفتى الوضاح ؟ قالت ، لا بل الفتى الوضاح ، قالت : إن الفتى يغيرك ، وإن الشيخ يميرك ، وليس الكهل الفاضل ، الكثير النائل ، كالحديث السن ، الكثير المن ، قالت : يا أمتاه ، إن الفتاة تحب الفتى كحب الرعاء أنيق الكلى ، قالت : أي بنية ، إن الفتى شديد الحجاب ، كثير العتاب ، قالت إن الشيخ يبلى شبابي ، ويدنس ثيابي ، ويشمت بي أترابى ، فلم تزل أمها بها حتى غلبتها على رأيها ، فتزوجها الحرث على مائة وخمسين من الإبل وخادم وألف درهم ، فابتنى بها ثم رحل بها إلى قومه ، فبينا هو ذات يوم جالس بفناء قومه وهي إلى جانبه إذ أقبل إليه شباب من بنى أسد يعتلجون ، ( أي يتصارعون ويتقاتلون ) فتنفست الصعداء ثم أرخت عينيها بالبكاء ، فقال لها : ما يبكيك ؟ قالت : ما لي وللشيوخ ، الناهضين كالفروخ ؛ فقال لها ثكلتك أمك تجوع الحرة ولا تأكل بثدييها ، الحق بأهلك فلا حاجة لي فيك . ( 2 ) يقال : ضري الكلب بالصيد ( كفرح ) ضراوة أي تعود ، وكلب ضار ؛ وأضراه صاحبه عوده وأضراه به : أغراه ، وضراه أيضا تضرية . ( 3 ) التهمة . ( 4 ) أبرمه : أضجره وأمله .